شمال 360مقال رأي

لماذا يعادي التيار العدمي المحطات الانتخابية ويحث المواطنين بصفة مستمرة على الامتناع عن ممارسة الحق الدستوري في التصويت؟

نادر البارودي – فاعل مدني وسياسي

الحقيقة الثابتة في هذا الصدد هي أن أكبر عملية نصب وتحايل سياسي يتم ممارستها على المواطنين هي تلك التي يقوم بها هذا التيار الذي يمكن وصفه بالمفلس سياسيا وهو كذلك، لأنه ببساطة لا يمتلك أي رؤية واضحة أو تصور مستقبلي أو مشروع مجتمعي متكامل ، بل إن وجوده كله قائم على آلية مشاكسة الدولة بمناسبة وبدون مناسبة، ومحاولة تصفية الحسابات الضيقة معها عبر ما يتوهمه ويتخيله من إمكانية نزع الشرعية عنها من خلال دعوة الفئات الشعبية إلى عدم المشاركة في العملية الانتخابية .
ان هذا التيار يفتقد بصفة كلية للموضوعية العلمية والسياسية اذ انه لا يفرق -سواء عن جهل أو عن عمد- بين نقد السياسات الحكومية والعمومية وهو امر مشروع وطبيعي ومطلوب في كل دول العالم وبين اتخاذ موقف نفسي مرضي ومتشنج من الدولة ومن مؤسساتها الدستورية والدخول معها في مسلسل لا ينتهي من المشاكسة والتنابز العقيم بقصد تصفية الحسابات لا غير.
وفي الوقت الحالي بالذات تبرز الحاجة الملحة والضرورة القصوى الى اهمية المشاركة السياسية المكثفة وخصوصا مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب الحالي الذي تسبب فيه بالدرجة الأولى العزوف السياسي التاريخي للمواطنين في انتخابات 2021 والذي ادت نتائجه إلى افراز المشهد الذي نراه اليوم، ورغم هذه النتائج السلبية الواضحة للعزوف نجد أن هناك نفس الدعاوى القديمة تتكرر وهي الدعاوى والمواقف العدمية التي لم تؤدي أبدا عبر التاريخ إلى أي نتيجة إيجابية لصالح الشعب.
في الواقع هؤلاء المقاطعين يبيعون الوهم للشعب او كما يقال في التعبير الدارج “يبيعون العجل” حيث يحثون المواطنين على العزوف ويهمشون دور صناديق الاقتراع، وعندما يدفع المواطن البسيط ثمن ذلك سياسيا وتنمويا، ويأكل “الشحط” الضرر طيلة خمس سنوات كاملة من التدبير السيئ، لا نسمع لهؤلاء همسا ولا صوتا واقعيا يغير من حال المواطن ما عدا الاستمرار في كتابة البكائيات واللطميات الرقمية على منصة الفيسبوك.

وانا اتصفح في الفضاء الازرق استوقفتني تدوينة لاحد المؤثرين الشباب وهو الأستاذ حمزة الفاضل، الناشط الذي برز في سياق احتجاجات جيل Z يدعو بدوره إلى مقاطعة الانتخابات، وهو في الأصل يعرف جيدا بصفته مطلعا ان تلك الاحتجاجات انما هي نتاج مباشر ونتيجة حتمية للعزوف الانتخابي الذي أفرز بالضرورة حكومة وبرلمانا بمشهد مفروغ منه وضغيف، وهو الشيء الذي دفع الشباب المحتج الى مخاطبة جلالة الملك مباشرة جراء غياب الوسطاء السياسيين الحقيقيين ونقص كفاءتهم وتراجع أدوارهم ، وهذا كله نتيجة عدم مشاركة المواطنين الواعين ونتيجة تداول هذه الدعاوى الإحباطية.

ان سلبيات المقاطعة تتجلى بوضوح علمي في كونها تفرغ المؤسسات التشريعية والتنفيذية من الكفاءات النزيهة وتخفض نسبة الأصوات المطلوبة لنجاح نخب غير مؤهلة، مما يؤدي إلى غياب الرقابة الحقيقية على المال العام وضعف جودة القوانين المشرعة، وبالتالي استمرار التهميش التنموي وتعميق الفوارق الاجتماعية لسنوات طويلة دون وجود قنوات مؤسساتية قادرة على التغيير السلمي والدستوري.

وتوجيه النقد في هذا الباب لا يستهدف شخص الأستاذ حمزة الفاضل لذاته بل يتم توجيهه للمكانة الكبيرة والمؤثرة التي يحتلها عند الكثير من الفئات الشبابية ، بل ولما يلقاه خطابه المقاطع من رواج واسع يعتقد معه البعض من الشباب انه موقف عقلاني شجاع ولكنه في حقيقة الامر موقف خطير جدا على مسار الإصلاح الديمقراطي بالمغرب، لأن الأستاذ حمزة دون ان يخوض غمار العمل السياسي الفعلي والميداني ودون أن يقوم بتأسيس حزب سياسي جديد أو ينخرط في حزب من الأحزاب القائمة في الساحة ويخوض تجربة واقعية لرفع صوت الشعب من داخل المؤسسات، سواء حصل في تلك التجربة على مليون صوت او عشرة اصوات او حتى صفر صوت يبقى في النهاية انه قام بشيء ما وبمحاولة عملية، اما دون خوض تلك المعارك المؤسساتية الميدانية فيبقى خطابه فقط مجرد ظاهرة صوتية لا أثر لها في الواقع المعيش.
لذلك فإن معركة التيار الوطني الإصلاحي ينبغي أن تكون موجهة ضد التيار العدمي المقاطع بنفس القدر والدرجة وبنفس القدر التي تدار به المعركة مع الفساد والمفسدين، فالعدمية في عمقها هي الحليف الموضوعي والداعم الأول للمفسدين عبر إخلاء الساحة لهم ؛ ولتوضيح ذلك الأثر المؤسساتي تخيلوا معي برلمانا مغربيا يكون بدون عبد الله بووانو وبدون عبد الرحيم بوعيدة وبدون نبيلة منيب وبدون فاطمة التامني وعبد الصمد الإبراهيمي ، تخيلوا أن هؤلاء البرلمانيين والسياسيين لوحدهم على الرغم من اختلاف مشاربهم الإيديولوجية وتوجهاتهم الحزبية المتنوعة يشكلون في عمق الاداء فريقا قائما بذاته، بل هم يمثلون الصوت الحقيقي للمواطن الذي يصل بجرأة إلى قبة البرلمان ويدافع عن اختيارات الشعب ويترافع بقوة عن همومه اليومية، بل إن الأولى والأجدر بنا وطنيا هو ان ننتج عبر صناديق الاقتراع برلمانا يحتوي على عشرة من أمثال هؤلاء الرموز من أجل خلق توازن سياسي حقيقي داخل المؤسسة التشريعية، وللدفاع المستميت عن مصالح الأدوار الاعتبارية والمكانة الدستورية لهذه المؤسسة الهامة.

بناء على كل هذه الحيثيات ، فان المغاربة اليوم بجميع فئاتهم مطالبون بقوة بعدم الإنصات نهائيا للتيار العدمي الذي يضلل المواطنين ثم يتركهم لوحدهم في العذاب والمعاناة التدبيرية اليومية وعلى أعصابهم ، ولن يخسر عليك المنتسبون لهذا التيار في نهاية المطاف سوى كتابة تدوينات افتراضية يذرفون فيها دموعهم ويمارسون بعدها حياتهم الخاصة بكل أريحية ، لان المواطن عند هؤلاء العدميين او عند جزء كبير منهم – مع الاعتراف بوجود فئة قليلة صادقة تعتقد واهمة بجدوى المقاطعة- هو مجرد رقم يتم توظيفه واستغلاله في مواجهة وصراع مع الدولة وتصفية حسابات خاصة معها دون اي مصلحة حقيقية للوطن أو للمواطنين.

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى